الشيخ اسماعيل حقي البروسوي
309
تفسير روح البيان
منه وسيلة اليه حِساباً صفة لعطاء بمعنى كافيا على أنه مصدر أقيم مقام الوصف اى محسبا وقيل على حسب أعمالهم بأن يجازى كل عمل بما وعد له من الأضعاف من عشرة وسبعمائة وغير حساب فما وعده اللّه من المضاعفة داخل في الحسب اى المقدار لان الحسب بفتح السين وسكونها بمعنى القدر والتقدير على هذا عطاء بحساب فحذف الجار ونصب الاسم قال بعض أهل المعرفة إذا كان الجزاء من اللّه لا يكون له نهاية لأنه لا يكون على حد الأعواض بل يكون فوق الحد لأنه ممن لا حد له ولا نهاية فعطاؤه لا حد له ولا نهاية وقال بعضهم العطاء من اللّه موضع الفضل لا موضع الجزاء فالجزآء على الأعمال والفضل موهبة من اللّه يختص به الخواص من أهل وداده وفي التأويلات النجمية ان للمتقين الذين يتقون عن نفوسهم المظلمة المدلهمة باللّه وصفاته وأسمائه مفازا اى فوز ذات اللّه وصفاته حدائق روضات القلوب المنزهة الأرضية وأعنابا أشجار المعاني والحقائق المثمرة عنب خمر المحبة الذاتية الخامرة عين العقل عن شهود الغير والغيرية وكواعب أترابا أبكارا اللطائف والمعارف وكأسا دهاقا مملوءة من شراب المحبة وخمر المعرفة لا يسمعون فيها لغوا من الهواجس النفسانية ولا كذابا من الوساوس الشيطانية جزاء من ربك عطاء حسابا اى فضلا تاما كافيا من غير عمل وقال القاشاني ان للمتقين المقابلين للطاغين المتعدين في أفعالهم حد العدالة مما عينه الشرع والعقل وهم المتنزلون عن الرذائل وهيئات السوء من الافعال مفازا فوزا ونجاة من النار التي هي مآب الطاغين حدائق من جنان الأخلاق وأعنابا من ثمرات الافعال وهيئاتها وكواعب من صور آثار الأسماء في جنة الافعال أترابا متساوية في الترتيب وكأسا من لذة محبة الآثار مترعة ممزوجة بالزنجبيل والكافور لان أهل جنة الآثار والافعال لا مطمح لهم إلى ماوراءها فهم محجوبون بالآثار عن المؤثر وبالعطاء عن المعطى عطاء حسابا كافيا يكفيهم بحسب هممهم ومطامح أبصارهم لأنهم لقصور استعداداتهم لا يشتاقون إلى ما ورلء ذلك فلا شئ ألذ لهم بحسب أذواقهم مما هم فيه رَبِّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا بدل من ربك والمراد رب كل شئ وخالقه ومالكه الرَّحْمنِ مفيض الخير والجود على كل موجود بحسب حكمته وبقدر استعداد المرحوم وهو بالجر صفة للرب وقيل صفة للأول وأياما كان ففي ذكر ربوبيته تعالى للكل ورحمته الواسعة اشعار بمدار الجزاء المذكور قال القاشاني اى ربهم المعطى إياهم ذلك العطاء هو الرحمن لان عطاياهم من النعم الظاهرة الجليلة دون الباطنة الدقيقة فمشربهم من اسم الرحمن دون غيره وفي التأويلات النجمية رب سماوات الأرواح وارض النفوس وما بينهما من السر والقلب وأقواهما الروحانية هو الرحمن اى الموصوف بجميع الأسماء والصفات الجمالية والجلالية لوقوعه بين اللّه الجامع وبين الرحيم فله وجه إلى الألوهية المشتملة على القهر وله أيضا وجه إلى الرحيم الجمالي المحض لا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطاباً استئناف مقرر لما افادته الربوبية العامة من غاية العظمة والكبرياء واستقلاله تعالى بما ذكر من الجزاء والعطاء من غير أن يكون لاحد قدرة عليه وضمير لا يملكون لأهل السماوات والأرض ومن في منه صلة للتأكيد على طريقة قولهم بعت منك